blog

الفقاعات الاقتصادية: سيكولوجية المضاربة والرشد الاقتصادي

Economic Bubbles: Between speculative psychology and Economic rationality

تعد الفقاعة الاقتصادية أحد أشكال الدورات الرأسمالية، والتي تتصف بالارتفاع الهائل للقيمة السوقية لأسعار الأصول، ويتبع هذا التضخم السريع انخفاض أو انكماش بالقيمة، ما يُعرف أيضًا بالانهيار أو انفجار الفقاعة.

نستعرض من خلال هذا المقال ظاهرة الفقاعات الاقتصادية وأنواعها، وكيف تنشأ هذه الظاهرة، والأسباب التى تؤدى لحدوثها، فضلًا عن كيفية التعرف على وجودها.

كيف تعمل الفقاعات الاقتصادية

يشير مصطلح “الفقاعة الاقتصادية-Economic Bubble” إلى حالة من انعدام الرشد الاقتصادى تتمثل فى الارتفاع الشديد فى أسعار أحد الأصول المالية-Financial asset، أو إحدى السلع الاقتصادية-Economic commodity، إلى مستويات خيالية بدرجة تتجاوز قيمتها الأصلية، نتيجة زيادة المضاربة عليها. ويُتبع هذا الارتفاع فى الأسعار عادة بانهيار وهبوط مفاجئ فيما يشبه انفجار الفقاعة أو البالون.

وتنشأ الفقاعات الاقتصادية أو المالية نتيجة للسلوك المُضارب في الأسواق، بحيث يدور السوق فى حلقة مفرغة بين السبب (ارتفاع الطلب نتيجة للمضاربة) والنتيجة (ارتفاع الأسعار) ليغذي كلًا منهما الآخر، حيث تؤدى المضاربة على الأصول إلى ارتفاع أسعارها، مما يعمل على جذب الكثيرين للمشاركة في عملية المضاربة داخل السوق بهدف تحقيق الأرباح.

هذا الإقبال  المتزايد على المُضاربة يرفع من مستوى الطلب داخل السوق بدرجة كبيرة، وهو ما يؤدي إلي مزيد من الارتفاع فى الأسعار، التى تستمر فى الزيادة حتى تصل إلى أقصى قيمة لها فى ذروة الفقاعة، لتبدأ حينها مرحلة انهيار الأسعار، عندما لا تجد السلع والأصول المبالغ فى تقييمها من يقبل بشرائها عند هذا السعر.

أنواع الفقاعات الاقتصادية

تتعدد أنواع الفقاعات تبعًا لتنوع الأسواق بصفة عامة، بداية من الفقاعات العقارية وفقاعات الأسواق المالية والفقاعات السلعية وحتى فقاعات سوق الائتمان.

وتتلخص أنواع الفقاعات الاقتصادية ضمن أربع تصنيفات رئيسية على النحو التالي:

1.فقاعات أسواق المال- Stock market bubbles :يتضمن هذا النوع المنتجات المالية التى يتم تداولها فى البورصات مثل الأسهم (Stocks) وحقوق الملكية وحصص المشاركة (Shares) ، بحيث ترتفع أسعار هذا النوع من الأصول بدرجة تفوق القيمة الأساسية للشركة أو المؤسسة التى تُصدرها، وبدرجة لا تتناسب مع الأسس المستخدمة فى عمليات التسعير والتقييم، مثل حجم الأصول المملوكة للشركة والأرباح التى تحققها ودورة رأس المال وتقييم المخاطر.

وتعد فقاعة الإنترنت (dotcom Bubble) التى حدثت في نهاية تسعينيات القرن الماضى ومطلع الألفية أحد أبرز الأمثلة على هذا النوع من فقاعات الأسواق.

حيث تسببت المُضاربة على أسهم الشركات التكنولوجية وخاصة الشركات العاملة فى مجال تكنولوجيا الانترنت الجديدة انذاك، فى تضخم الأسعار فى سوق الأسهم الأمريكية.

فقد ارتفع مؤشر ناسداك التكنولوجى-Tech dominated Nasdaq index من حوالى 1000 نقطة أساس فى عام 1995م إلي 5000 نقطة فى عام 2000م.

ولكن حدث الانهيار حين عجزت هذه الشركات عن تحقيق الأرباح والأداء المتوقع منها، ليقوم المستثمرون بسحب أموالهم من السوق، وينخفض مؤشر ناسداك بنسبة 75% فى العام المالى 2001-2002م.

2.فقاعات أسواق الأصول-Asset Market bubbles :يشتمل هذا النوع من الأسواق على قطاعات غير مالية مثل القطاع الصناعى والعقارى، وحتى أسواق تداول العملات.  ومن أمثلتها أزمة الرهن العقارى فى الولايات المتحدة الأمريكية عام 2008م التى ترتب عليها الأزمة المالية العالمية التى طالت العالم أجمع حينها.

وهناك الأزمة العقارية فى اليابان عام 1990م والتى تسببت فى دخول الاقتصاد اليابانى فى كساد اقتصادى استمر لنحو عشرة أعوام فيما أُطلق عليها “أزمة العقد  الضائع-Lost decade“.

3.فقاعات أسواق السلع-Commodity bubbles :ينشأ هذا النوع من الفقاعات فى أسواق السلع المادية الملموسة مثل أسواق المواد الخام والمحاصيل الزراعية والمنتجات الصناعية، وأسواق النفط والمعادن.

ويمثل هذا النوع من الفقاعات أول حالة مُسجلة لظاهرة الفقاعات الاقتصادية فى التاريخ، فيما سُمى بظاهرة “جنون التوليب-Tulip mania” التى حدثت فى العصر الذهبى للجمهورية الهولندية فى نهايات القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر.

وذلك حين ارتفعت أسعار زهور التوليب نتيجة المضاربة عليها لمستويات غير مسبوقة حتى وصلت ذروتها فى فبراير من العام 1637م لتبدأ أسعار التوليب فى الانهيار خلال الفترة ما بين فبراير ومايو من نفس العام.

ويأتى تصاعد شعبية التوليب آنذاك نظرًا للقيمة الجمالية لهذا النوع من الزهور، وأصبح امتلاكها نوعًا من الفخر والزهو الاجتماعى ورمزًا للثراء.

وهو ما دفع بالكثير من الهولنديون للسعى المحموم نحو امتلاك المزيد منها بشكل مستمر، والمضاربة عليها طمعًا فى تحقيق الثراء السريع جراء تداولها.

4.فقاعات سوق الائتمان-Credit bubbles :تحدث فقاعات الائتمان نتيجة الارتفاع المفاجئ فى الطلب على القروض سواء الاستهلاكية أو الاستثمارية، والتوسع فى تلبية هذا الطلب المتزايد من قبل القطاع المصرفى ومؤسسات الائتمان.

وذلك دون النظر إلى اعتبارات مخاطر السداد والجدارة الائتمانية لمن يحصل على القرض، فضلًا عن اعتماد أساليب تمويل الاستثمارات عن طريق الاقتراض، فيما يسمى بأسلوب الرافعة المالية-Financial leverage.

وعادة ما يقترن حدوث هذا النوع من الفقاعات فى الأسواق بفترات الانتعاش الاقتصادى وسيادة التفاؤل تجاه المستقبل، و يقترن ايضًا بالفترات التى تتبع فيها الدول سياسات اقتصادية توسعية بحيث تعمل على توفير فوائض من السيولة داخل الأسواق.

وتعود جذور فقاعات الائتمان إلى فترة عشرينيات القرن الماضى  التى تميزت بالرخاء الاقتصادى فى المجتمعات الغربية خاصة فى الولايات المتحدة الأمريكية.

هذه الفترة من الرخاء الاقتصادى مهدت الطريق لحدوث أزمة الكساد الكبير-Great depression فى الثلاثينيات، والتى تعد الأزمة الاقتصادية الأكثر قُبحًا فى التاريخ.

والجدير بالذكر أيضًا أن التوسع فى الائتمان المُخاطر يُعد أحد العوامل الرئيسية فى حدوث الأزمة المالية العالمية فى عام 2008م وأزمة الرهن العقارى.

أسباب حدوث الفقاعات الاقتصادية

تُعد المضاربة-Speculation هى العامل الرئيسى المشترك بين مختلف أنواع الفقاعات الاقتصادية، إلا أن الآثار المترتبة على حدوثها هى ما يدفعنا إلى البحث عن العوامل والأسباب المؤدية لحدوث هذا النوع من الأزمات الاقتصادية.

وتأتى مخاطر انفجار الفقاعات الاقتصادية انطلاقًا من كونها ذات تأثير سلبى على حركة النشاط الاقتصادى نتيجة تحويل الموارد والثروات نحو استخدامات غير مُثلى بما يؤثر على القطاعات الأخرى داخل الاقتصاد.

فضلًا عن التأثير السلبى على معدلات الإنفاق الاستهلاكى داخل المجتمع عن طريق إنفاق المزيد من الأموال على شراء سلع وأصول بأسعار مبالغ فيها. هذه السلع والأصول قد لا تكون ذات أهمية بالنسبة للمستهلك ولا تساهم فى إشباع أى من الحاجات الاقتصادية بالنسبة له، وهو ما يهدد بتآكل ثروات الأفراد عند انفجار الفقاعة.

ويمكن تقسيم العوامل التى تساعد فى تشكل الفقاعات الاقتصادية إلى مجموعتين رئيسيتين، هما العوامل الاقتصادية والكمية، ومجموعة العوامل الاجتماعية والسلوكية/السيكولوجية على النحو التالى:

العوامل الاقتصادية (Economic factors)

1.انخفاض أسعار الفائدة-Low interest rates :يعمل انخفاض أسعار الفائدة على تسهيل الحصول على القروض بتكلفة أقل، ما يساهم فى تشجيع الإنفاق على الاستثمار بدرجة كبيرة.

ولكن مع انخفاض أسعار الفائدة، لا يستطيع المستثمر الحصول على عوائد كبيرة من الاستثمار فى القطاعات التقليدية منخفضة المخاطر كالودائع البنكية والأوعية الإدخارية المختلفة.

لذلك يلجأ المستثمرون إلى الاستثمار فى قطاعات تولد عائد أعلى، إلا انه كلما ارتفع العائد كان ذلك مؤشرًا على ارتفاع درجة المخاطرة.

2.قوانين العرض والطلب-Laws of supply and demand:

يؤدى ارتفاع الطلب على الأصول الاستثمارية إلى تضخم أسعارها بدرجة تتجاوز قيمتها الأساسية أو الذاتية (Intrinsic value) ما يعمل على زيادة المضاربة عليها كما وضحنا  من قبل.

هذا الارتفاع المفاجئ فى الطلب قد يرجع إلى عدة عوامل مختلفة، منها ظهور منتجات جديدة أو ابتكارات تكنولوجية تستحوذ على اهتمام الأفراد وتعمل على جذب الاستثمارات نحوها كما فى حالة فقاعة الانترنت.

وهناك ايضًا السياسات النقدية التوسعية التى تتبعها البنوك المركزية للدول فى أوقات الركود الاقتصادى لتوفير فوائض السيولة، تلك الأموال الزائدة تجد طريقها إلى استثمارات عالية المخاطرة فيما يُسمى بظاهرة المال اليسير (Easy money).

كما ويحدث أحيانا أن يعتقد بعض المستثمرون فى عدم كفاية المعروض من احد الأصول، وهذا يرفع من تقييم سعر هذا الأصل، فيما يسمى بظاهرة عجز المعروض من الأصول-Asset shortage .

غير أن تلك العوامل لا تفسر بشكل واضح لماذا يتصرف المُضاربون والمستثمرون على هذا النحو، لأن علم الاقتصاد يفترض دائمًا توافر العقلانية والرشد فى قرارات مختلف الفاعلين فى ميدان الاقتصاد.

لذلك نلجأ إلى تحليل مجموعة العوامل النفسية والسلوكية التى تتحكم فى سلوكيات المضاربة والاستثمار داخل الأسواق الاقتصادية.

العوامل السيكولوجية (Psychological factors)

1.الاستدلال غير المنطقى-Extrapolation :يعبر الاستدلال غير المنطقى عن عملية الربط بين البيانات والمعلومات التى حدثت فى الماضى وبين التوقعات بخصوص المستقبل.بحيث يميل المستثمر إلى الاعتقاد بأن ارتفاع أسعار احد الأصول فى الماضى سوف يستمر عند نفس المعدل إلى الأبد، ما يدفعه إلى الرهان بشكل مبالغ فيه (Overbidding) على أصول عالية المخاطر أملًا فى تحقيق عوائد أعلى.

كذلك تؤدى المبالغة فى الرهان على أحد الأصول إلى الوصول لنقطة ينخفض عندها العائد على الاستثمار مقارنة بالمخاطر التى يتحملها المستثمر نتيجة حيازة تلك الأصول.

وبالتالى تنخفض جدوى الاستثمار فى هذا الأصل، ويبدأ أصحاب رؤوس الأموال فى البحث عن فرص أخرى لاستثمار أموالهم فى أصول تولد لهم عائد اقتصادى يتوازن مع المخاطر التى يتحملونها. وهو ما يمثل مرحلة الخروج من السوق وبداية انهيار الطلب على الأصول المبالغ فى أسعارها، وانفجار الفقاعة.

2.سيكولوجية القطيع-Herd mentality :يختلف علم الاقتصاد السلوكى (Behavioral economics) وعلم التمويل السلوكى (Behavioral finance) فى تحليل ظاهرة التقليد والمحاكاة فى السلوك الاقتصادى من حيث مستوى التحليل.

  • فيتخذ الاقتصاد السلوكى من الفرد أساسًا لتحليل العوامل المؤثرة على الطلب، فهو يفترض أن أحد العوامل التى تؤثر فى مدى طلب الفرد للسلعة هو مجرد أن عدد كبير من الناس يطلبونها، أو لأنها ذات شعبية عالية وتتمتع برواج كبير، أو لكونها جزء من التيار السائد فى المجتمع (Main stream).
  • أما التمويل السلوكى فيركز على تحليل السلوك الجمعى للوكلاء أو وسطاء الاستثمار فى الأسواق المختلفة، انطلاقًا من حقيقة أن المستثمرين يميلون لبيع وشراء الأصول وفقًا لاتجهات السوق (Direction of the market trend).

فدائما ما يقارن وسطاء الاستثمار مثل مدراء صناديق التحوط – Mutual fund managers بين أدائهم والعوائد التى يحققونها لصالح عملائهم، وبين أداء المُدراء الآخرين. وذلك للحفاظ على استمرار ثقة العملاء فى قدرتهم على الحصول على أعلى عائد ممكن لصالحهم.

فإذا اتخذت إحدى مؤسسات الوساطة الاستثمارية موقف معاكس أو معارض (Contrarian or conservative position)  لاتجاهات السوق بناء على اعتقادها بوجود خلل ما فى هيكل الأسعار، أو تشكل فقاعة اقتصادية فى أحد الأسواق التى تحقق عوائد مرتفعة، فهذا يهدد الوسيط الاستثمارى بخسارة قطاع واسع من عملائه لصالح الوسطاء الآخرين.

لذلك قد يستمر العديد من المستثمرين فى المضاربة داخل السوق حتى وإن تأكد لديهم وجود فقاعة فى هذا القطاع.

3.الميل للمخاطرة والمانع الأخلاقى-Moral Hazard :يميل الأفراد والمستثمرون عادة إلى اتخاذ قرارات تتسم بالمخاطرة عندما يعتقدون أنهم لا يتحملون عواقب تلك القرارات.

فعادة ما يتطلب اتخاذ قرار الاستثمار الموازنة بين كلًا من العوائد والمخاطر، وعندما يعتقد المرء أن هناك من يتحمل عواقب المخاطرة بدلًا منه، فإنه يركز على المكاسب المتوقعة فقط دون الاهتمام بالعواقب.

وتتسبب التدخلات الحكومية فى الأسواق عادة فى ظهور مثل هذه السلوكيات عبر توفير ما يُسمى باستراتيجية “مُقرض الملاذ الأخير-Lender of last resort“.

حيث توفر الحكومات عبر بنوكها المركزية حزم لإنقاذ البنوك التجارية والمؤسسات المالية الخاصة فى صورة قروض، عندما تواجه أزمات فى السيولة ومخاطر الإفلاس.

وهو ما يتيح الفرصة لمختلف المؤسسات المالية للاستثمار فى قطاعات عالية المخاطر لاعتقادها الدائم فى وجود جهة أخرى تعمل على حمايتها وإنقاذها فى حالة تدهور الأوضاع.

وتعد فقاعة الرهن العقارى “Housing mortgage bubble” أحد الأمثلة على تعزيز الميل للمخاطرة لدى المستثمرين نتيجة التدخلات الحكومية.

حيث وقع الرئيس الأمريكى الأسبق جورج بوش قانون إغاثة الأصول المتعثرة-Troubled asset relief فى الثالث من أكتوبر عام 2008م ليوفر كفالة إنقاذ حكومية-Government bailout للمؤسسات المالية وغير المالية المتورطة فى المضاربة على أصول عالية المخاطر خلال أزمة الرهن العقارى.

وهناك أيضًا أسباب تتعلق بالممارسات الاحتكارية(Oligopoly) التى يقوم بها كبار المستثمرين فى الأسواق.

 فقد تساهم مؤسسة ما أو تجمع من المؤسسات الاحتكارية (Cartel)- التى تمتلك رأس مال كبير نسبيًا- فى خلق فقاعة اقتصادية بشكل متعمد من خلال ضخ الكثير من الأموال للاستثمار فى أحد الأصول لخفض المعروض منه فى السوق، وبالتالى ارتفاع سعر الأصل بدرجة كبيرة.

هذا الارتفاع فى سعر الأصل يجذب المزيد من المستثمرين الأصغر حجمًا للمضاربة عليه، حتى يصل السعر إلى ذروة الارتفاع، ليبدأ عندها كبار المستثمرين فى خلق موجة من البيع داخل السوق حتى ينهار السعر.

هذا الانهيار فى أسعر الأصول يتسبب فى إفلاس العديد من المؤسسات الأصغر حجمًا، لتستحوذ عليها المؤسسات التى عملت على خلق الفقاعة، وزيادة حصتها من السوق، وإعادة شراء الأصول التى انهارت قيمتها بأسعار منخفضة جدًا.

4.نظرية الأحمق الأكبر-Greater fool theory :تظهر الفقاعات الاقتصادية وفقًا لتلك النظرية نتيجة اندفاع بعض المستثمرين المتفائلين (The fools) لشراء الأصول والأسهم المبالغ فى تقييمها، بقصد بيعها لمضاربين آخرين (The greater fools) بأسعار أعلى.

وتستمر الفقاعة فى النمو طالما يجد الحمقى من هم أكثر حمقًا لشراء الأصول متضخمة القيمة. حتى تصل الفقاعة لمرحلة الانفجار حينما لا يجد الأحمق الأكبر على الإطلاق(The greatest fool) من يقبل بشراء السلعة عند هذا السعر.

5.التفكير قصير المدى-Short term thinking :قد يظن بعض المستثمرين وحتى الأفراد العاديين أن بإمكانهم خداع السوق من خلال المضاربة لمدة قصيرة من الزمن أثناء مرحلة ارتفاع الأسعار.

ثم بيع ما بحوزتهم من الأصول والخروج من السوق سريعًا للإفلات بالأرباح التى تحصلوا عليها.

غير أن خطورة هذا السلوك تأتى من أن اتباع الكثيرين لنفس المنطق يعمل على تجميع مقدار كبير من الأموال التى تشارك فى المُضاربة لترفع من مستوى الطلب ومن ثم الأسعار داخل السوق.

ثم ينخفض الطلب بدرجة كبيرة حين يقوم هؤلاء بتصفية ممتلكاتهم من الأصول، ما يعزز من حدة انهيار الأسعار نتيجة الهروب الجماعى والسريع من السوق.

مراحل الفقاعة الاقتصادية

عادة لا يمكن ملاحظة الفقاعات إلا بعد حدوثها، حيث لا تتوافر دائمًا معلومات واضحة وملموسة تدعم وجودها. غير أن هناك بعض الأدلة التى تدعم مرور جميع الفقاعات بنفس المراحل، بداية من تكوينها وحتى انفجارها.

وقد حدد عالم الاقتصاد الأمريكى هايمان مينسكى- Hyman P. Minsky خمس مراحل للفقاعة الاقتصادية على النحو التالى:

1.مرحلة النزوح-Displacement :تبدأ الفقاعة الاقتصادية بانتقال الاستثمارات إلى قطاعات اقتصادية أخرى أكثر جاذبية، كأن يهتم المستثمرون بنموذج جديد للاستثمار مثل الابتكارات التكنولوجية الجديدة، أو نتيجة الانخفاض فى معدلات الفائدة كما وضحنا سابقًا بشأن الأسباب الاقتصادية للفقاعات.

وترتفع الأسعار بمعدل صغير نسبيًا خلال مرحلة النزوح، لكنها تكتسب المزيد من الزخم كلما زادت أعداد المستثمرين المنضمين للسوق.

ومن أبرز الأمثلة على تلك المرحلة، قيام الفيدرالى الأمريكى بخفض معدل فائدة الإقراض لديه من 6.5% فى شهر مايو عام 2000م إلى 1% فى يوليو عام 2003م.

ونتيجة لذلك انخفض معدل الفائدة الثابت على الرهن العقارى لأجل 30 عام بمقدار 2.5% ليصل إلى أدنى مستوى على مدار تاريخه عند 5.21%. وهو ما يعتبر أهم العوامل التى مهدت لوقوع أزمة الرهن العقارى الأمريكية عام 2008م.

2.مرحلة الانفجار-Boom stage :تتمتع الاستثمارات محل الاهتمام فى هذه المرحلة بتغطية إعلامية واسعة، وتعمل ظاهرة الخوف من إضاعة الفرصة-Fear of missing out على جذب المزيد من المُضاربين للسوق، مما يرفع من الأسعار بدرجة جنونية.

3.مرحلة النشوة-Euphoria :فى تلك المرحلة يتخلى المستثمرون عن الحذر فى قراراتهم نتيجة الاندفاع الصاروخى للأسعار، وتسود نظرية الأحمق الأكبر نتيجة تقييم الاصول بصورة مبالغة.

كما حدث أثناء الأزمة العقارية اليابانية عام 1989م، حين ارتفعت أسعار الأراضي فى طوكيو إلى 139,000 دولار للقدم المربعة، وهو ما يفوق سعر ملكية عقارية كاملة فى مقاطعة مانهاتن الأمريكية بـ 350 ضعف.

4.مرحلة جنى الأرباح-Profit taking :يبدأ المستثمرون الأكثر دهاءً فى ملاحظة خطر الاستمرار فى السوق، ليقوموا ببيع حصصهم عند مستويات عالية للأسعار ويحصلوا أرباح ضخمة.

ففى أغسطس من عام 2007م قام بنك “بى إن بى باريبا- BNP Paribas” الفرنسى بوقف عمليات الانسحاب من ثلاثة صناديق استثمارية تحتوى على أصول الرهن العقارى الأمريكى لعدم قدرة البنك على تقييم حصص المستثمرين المنسحبين.

هذا الأمر قد سبب توتر محدود داخل السوق، ليتم تجاهله خلال الأشهر القليلة التالية حين ارتفعت مؤشرات السوق إلى مستويات قياسية مرة أخرى.

5.مرحلة الذُعر-Panic :تتحرك اسعار الأصول فى هذه المرحلة بصورة عكسية، وتهبط بنفس السرعة التى ارتفعت بها فى الماضى، ويقبل حينها المستثمرون والمُضاربون بتصفية حصصهم عند أى سعر. ومع وجود فائض فى عرض الأصول، تنحدر الأسعار بشدة.

وأحد الأمثلة الأكثر وضوحًا على الذعر العالمى في الأسواق المالية هو ماحدث في أكتوبر 2008م بعد أسابيع من إعلان المصرف الاستثمارى الأكبر فى الولايات المتحدة الأمريكية – ليمان براذرز Lehman Brothers– إفلاسه.

وانهيار المجموعة الوطنية الفدرالية للرهن العقارى “فانى ماى-Fannie May” ومؤسسة الرهن العقاري الفدرالية “فريدي ماك- Freddie mac” و المجموعة الأمريكية الدولية للتأمين-AIG. وتراجع مؤشر ستاندارد آند بورز-S&P 500 بنسبة 17٪ تقريبًا في ذلك الشهر، وهو تاسع أسوأ أداء شهري له على مدار تاريخه. وخسرت أسواق الأسهم العالمية ما يقرب من 9.3 تريليون دولار فى هذا الشهر فقط.

وأخيرًا، يبقى السؤال الأهم هو هل يمكن رصد الفقاعات الاقتصادية قبل وقوع الأزمة؟

مؤشرات وجود الفقاعات الاقتصادية

يصعب الإجابة على هذا التساؤل نتيجة اختلاف طبيعة الفقاعات وتنوع الأسواق التى يمكن أن أن تظهر فيها، وكذلك تداخل العوامل النفسية المُتعلقة بالسلوك الإنسانى المتغير مع العوامل الاقتصادية والكمية.

غير أن هناك عدد من المؤشرات التى يمكن رصد وجود الفقاعات الاقتصادية من خلالها، والتى يكفى توافر واحد أو أكثر منها ليدل على وجود الفقاعة، وهي كالتالي:

1-وجود تغيرات غير مألوفة فى أحد المؤشرات الاقتصادية، أو تغير العلاقة بين مجموعة من المؤشرات الخاصة بسوق معين مُقارنة بمستوياتها فى الماضى.

مثل ارتفاع نسبة الأسعار إلى الأرباح فى سوق الأسهم، والتى تعبر عن النسبة بين أسعار الأسهم ومعدلات الأرباح التى تحققها الشركات، ما يدل على تضخم أسعار الأسهم مُقارنة بقدرة المؤسسات على توليد الأرباح.

ويعد ارتفاع أسعار العقارات مقارنة بمتوسط الدخل السنوى للفرد فى الولايات المتحدة الأمريكية خلال أزمة عام 2008م مثالًا على اختلال المؤشرات.

2-الانخفاض الشديد فى معدلات الفائدة، مما يشجع من عمليات الاقتراض فى المجتمع.

3-التوسع فى استخدام القروض لتمويل شراء الأصول (اسلوب الرافعة المالية-Leverage)، بحيث يقوم المستثمر بدفع جزء معين من قيمة الأصل من حسابه الخاص كدفعة أولية للشراء، ثم يقترض الجزء المتبقي لتسوية العملية.

4-زيادة معدلات التمويل مرتفع المخاطر عبر منح القروض لأشخاص ومؤسسات ذوى تصنيف ائتمانى منخفض.

5-اعتماد قرارات الإقراض والاقتراض والشراء على التوقعات بشأن ارتفاع الأسعار فى أحد الأسواق الخاصة بالأصول التى تقدم كغطاء للاقتراض، دون الاهتمام بقدرة المُقترض على السداد.

6-اتساع التغطية الإعلامية وحملات الترويج للاستثمار فى أحد الأصول، وبناء التوقعات بشأن ارتفاع أسعار الأصول على عبارات وحجج مُضللة دون الأسباب العلمية والمنطقية، مثل “الأمور تختلف هذه المرة” أو “أسعار العقارات لا تنخفض أبدًا”.

7-اختلال موازين التجارة العالمية :يُعد اختلال موازين التجارة العالمية في نظر الاقتصادي الأمريكي  “بول كروجمان- Paul Krugman” أحد العوامل والمؤشرات التى ساعدت فى حدوث الفقاعة العقارية فى كل من الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا.

حيث أدى انتقال الانتقال الكثيف لرؤوس الأموال من دول جنوب شرق آسيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية فى أعقاب أزمة النمور الآسيوية، إلى تفاقم المضاربة على العقارات فى أمريكا خلال السنوات الأولى من الألفية الجديدة.

كما أدت هجرة رؤوس الأموال من ألمانيا ودول شمال أوروبا نحول دول الجنوب مثل اليونان وأسبانيا والبرتغال لزيادة الطلب على الإسكان الترفى في تلك البلدان، وهو ما أدى لتكون الفقاعة العقارية الأوروبة التى اتسع نطاقها لتتسبب فى حدوث أزمة الديون الأوروبية عام 2009، وإفلاس اليونان وعدد من الدول الأوروبية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى