blog

دور العملات الرقمية في تعزيز حرية انتقال رأس المال

دائمًا ما يبحث أصحاب رؤوس الأموال عن الفرص الاستثمارية الواعدة حول العالم، كما تعتمد الدول على مجموعة من الأدوات للتحكم بخروج ودخول رأس المال من وإلي الدولة.

فلماذا تضع الدول قيودًا على حركة رأس المال، وما هي طبيعة تلك القيود؟ وما هي فرص تعزيز حرية انتقال رأس المال في ظل نظام العملات المشفرة؟

مقدمة

يبحث أصحاب رؤوس الأموال بشكل دائم عن الفرص الاستثمارية الواعدة حول العالم مقارنة بالدولة التي يتواجد بها رأس المال، سواء عبر الاستثمار المباشر في الدول الأخرى من خلال إقامة المشروعات، أو الاستثمار في أدوات الدين والأوراق المالية، أو الاستفادة من فارق أسعار الفائدة وتقلبات أسعار صرف العملات بين الدول وغيرها من فرص وأساليب الاستثمار.

لماذا تقيد الدول حركة رأس المال؟

تعد إدارة تدفقات رأس المال من وإلي الدولة أحد المهام الرئيسية التي تقع على عاتق السلطات النقدية بمختلف دول العالم، والتي تهدف من خلالها التأثير على حركة النشاط الاقتصادي بما يتوافق مع اهدافها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ومواجهة تقلبات الأسواق.

وتعتمد الدول على مجموعة من الأدوات للتحكم بخروج ودخول رأس المال من وإلي الدولة فضلًا عن تحديد مدي جاذبية الدولة للاستثمار ودرجة الانفتاح الاقتصادي على العالم الخارجي خاصة في الأسواق الناشئة نظرًا للتشبع النسبي لاقتصادات الدول الصناعية المتقدمة وكونها الأقرب لوضع التشغيل التام عبر مراكمة الوفورات والفوائض الرأسمالية على مدار عقود من الزمن.

ماهية الأدوات التي تعتمدها الدول لتقييد رأس المال

تتنوع الأدوات التي تستخدمها مختلف الدول تبعًا للأهداف والآثار التي ترغب في تحقيقها، منها على سبيل المثال:

1.أدوات تؤثر على تكلفة الاستثمار: مثل الضرائب على الاستثمار وضرائب الربح الرأسمالي، والرسوم الجمركية.

2.أدوات تؤثر على حجم الاستثمار: مثل القيود التشريعية والإجرائية التي من شأنها تحديد كميات النقد المسموح بدخولها للدولة أو الخروج منها، ووضع حدود للسحب والإيداع اليومي بالبنوك، وتحديد كميات النقد الأجنبي المسموح بتداولها في الصرافة أو تحويلها للعملة المحلية والعكس.

3إدارة أسعار الصرف ومعدلات الفائدة: وهي أدوات كيفية أكثر منها كمية، تستهدف تنظيم حركة التدفقات النقدية من وإلي الدولة عبر التأثير على معدلات التبادل التجاري بين الدولة والعالم الخارجي عبر نظام الصرف الذي تتبناه الدولة، وأيضا التأثير على قرارات المستثمرين في الداخل والخارج من حيث مدي جدوى الاستثمار مقارنة بأسعار الفائدة المتاحة، فضلا عن جذب الأموال الساخنة للاستفادة من رفع معدلات الفائدة.

إلا أن الإمكانات والمميزات التي تتيحها العملات الرقمية تطرح التساؤل حول مدي قدرتها على تحرير رأس المال من تلك القيود الحكومية والأغراض السياسية التي تستهدفها الحكومات في إدارتها لحركة رأس المال على أراضيها، وتقليل المدة الزمنية لتحويل الأموال والأصول بين الدول لاقتناص الفرص الاستثمارية وتسهيل التجارة العالمية.

فرص تعزيز حرية التدفقات الرأسمالية في ظل نظام العملات المشفرة

  • توفر نظم تسوية المعاملات الموسع (DLT) المعتمد على تقنيات سلاسل الكتل ( Blockchain)، والعقود الذكية Smart contracts بديلا رخيصًا وسريعًا لنظم تسوية المعاملات المالية والتجارية التقليدية خاصة في الدول النامية، بدءًا من توفير نفقات البنية التحتية التكنولوجية، وإلغاء الحاجة للمؤسسات الوسيطة كالبنوك التي تفرض الرسوم والاستقطاعات على المعاملات المالية، وتعزيز مستويات الخصوصية والأمان وعدم تتبع البيانات.
  • وربما أكثر المميزات التي يوفرها نظام (DLS) المعتمد على تقنية سلاسل الكتل هي خفض التكاليف التشغيلية لسلاسل الإمداد والتوريد عالميًا وفقًا لـ ” Marina Niforos” مؤسسة شركة ” LogosAdvisors” للاستشارات المالية، خاصة كون التكاليف الإدارية والإجرائية تمثل 80% من إجمالي تكلفة تشغيل سلاسل الإمداد في مجالات الغذاء والزراعة.
  • كما تساهم تقنية سلاسل الكتل في تعزيز مجالات الأمن الدوائي والصحة العامة من خلال إتاحة سجلات دقيقة لجميع بيانات معاملات البيع والشراء مثل الموقع الجغرافي والأسعار والجودة لمنع وتتبع الغش والتلاعب، حيث يقدر حجم مبيعات الأدوية المزيفة بأسواق الدول النامية بنحو 50% من إجمالي السوق.
  • وتتعاون شركة IBM مع شركة وولمارت الأمريكية في مجال دعم وتطوير سلاسل الإمداد العالمية عن طريق تقديم حلول رقمية تعتمد على تقنيات Blockchain لحل مشكلات مثل تقليل تكاليف التخلص من المخزون، ورصد المشكلات المرتبطة بسلاسل الإمداد في غضون دقائق بدلًا من أيام، ما يقلل من فقدان الثقة بين المتعاملين بالسوق على امتداد سلاسل التوريد.
  • ووفقاً لـ”Matthew Kerner” المدير العام بشركة ” Microsoft Azure” فإن أحد التطبيقات الواعدة لتقنية سلاسل الكتل في مجال النقل البحري هو بروتوكول التعاون الذي اسسته شركة “’Maersk” عملاق النقل البحري الدانيماركي مع شركائها EY و Willis Towersو Watson وXL Catlin بالاعتماد على البنية التحتية لشركة “Microsoft Azure” لتعديل سياسات التأمين على السفن البحرية بشكل أكثر ديناميكية بينما تبحر سفن الشحن حول العام.
  • كما أثمر التعاون بين شركة Microsoft Azure ومجموعة البنك الدولي وبنك الكومنولث الاسترالي “Commonwealth Bank of Australia” عن إطلاق أول سهم يعتمد على تقنية Blockchain يدعي “Bondi” والذي يسمح بإتمام العمليات على الأسهم بالبيع والشراء والتحويل بشكل آلي-automate bond transactions- بين البائعين والمشترين والبنوك، ما يعمل على تقليل زمن تحويل الأصول المالية من أيام إلى ثوانٍ معدودة بشكل أكثر شفافية وبتكلفة منخفضة للغاية.

مؤشرات تدفقات رأس المال لسوق المنتجات الرقمية عالمياً

حقق الاستثمار في منتجات سوق الأصول المشفرة زيادة صافي التدفقات النقدية الداخلة للسوق إلى نحو 127 مليون دولار أمريكي خلال الاسبوع الأول من الشهر الجاري متجاوزا معدلات الاسبوع السابق له، ما يعكس استمرار ثقة المستثمرين بالسوق رغم التوتر السياسي العالمي بسبب الحرب الروسية الأوكرانية.

حيث استقبلت صناديق الاستثمار بأمريكا الشمالية نحو 151 مليون دولار من التدفقات النقدية الداخلة لسوق الأصول المشفرة، بينما شهدت صناديق الاستثمار المتمركزة في أوروبا خروج نحو 24 مليون دولار وفقاً لتقريرCoinShares.

استحوذت عملة البيتكوين على النصيب الأكبر من تلك التدفقات بنحو 95 مليون دولار، هي الاكبر خلال اسبوع واحد منذ ديسمبر 2021. بينما بلغت تدفقات عملة الإيثيريوم 25 مليون دولار هي الأكبر خلال 13 اسبوع.

بينما استمر تدفق رأس المال للاستثمار متعدد الأصول (متعدد العملات) ليبلغ 8.6 مليون دولار خلال الاسبوع الأول من شهر مارس الجاري، ليسجل أعلي معدل للتدفقات النقدية على أساس سنوي بلغت نحو 104 مليون دولار، ما يمثل نسبة 3.6 % من إجمالي الأصول المدارة Assets under management .

وبلغ حجم التدفقات الداخلة للاستثمار في أصول Blockchain 7.7 مليون دولار.  

العملات الرقمية ومستقبل حرية انتقال رأس المال عالميًا

وبالنظر للمؤشرات السابقة يتضح أن معدلات الاستثمار في سوق العملات الرقمية ومنتجات التشفير مازالت متدنية مقارنة بغيرها من أنواع الاستثمار، إلا أن الفرص والتسهيلات التي يتيحها التطور التكنولوجي في مجال المنتجات الرقمية وصناعة التشفير تبشر بسير الأمور نحو مزيد من الحرية والكفاءة في اتخاذ قرارات الاستثمار، وإتاحة مزيد من الفرص أمام رأس المال للتحرر من القيود التقليدية وخفض التكاليف المرتبطة بعملية استثمار وتحويل الأموال عالمياً.

ويشبه العديد من الخبراء والمتعاملين في سوق الاستثمار التطور الرقمي وصناعة التشفير بثورة الانترنت في مطلع القرن الحالي، حيث مكنت جميع سكان العالم من الوصول للمعلومات بسهولة، والقضاء على مركزية وسائل المعرفة وصناعة المحتوي. كما أن العملات الرقمية وصناعة التشفير هي أحد نتائج هذا التطور. لذا فمن المتوقع أن تحدث العملات الرقمية ثورة في عالم التكنولوجيا المالية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى